عثمان بن جني ( ابن جني )
100
الخصائص
باب ذكر علل العربية أكلامية هي أم فقهية " 1 " ؟ اعلم أن علل النحويين - وأعنى بذلك حذّاقهم المتقنين لا ألفافهم " 2 " المستضعفين - أقرب إلى علل المتكلمين ، منها إلى علل المتفقهين . وذلك أنهم إنما يحيلون على الحسّ ، ويحتجّون فيه بثقل الحال أو خفّتها على النفس ؛ وليس كذلك حديث علل الفقه . وذلك أنها إنما هي أعلام ، وأمارات ، لوقوع الأحكام ، ووجوه الحكمة فيها خفيّة عنا ، غير بادية الصفحة " 3 " لنا ؛ ألا ترى أن ترتيب مناسك الحج ، وفرائض الطهور ، والصلاة ، والطلاق ، وغير ذلك ، إنما يرجع في وجوبه إلى ورود الأمر بعمله ، ولا تعرف علة جعل الصلوات في اليوم والليلة خمسا دون غيرها من العدد ، ولا يعلم أيضا حال الحكمة والمصلحة في عدد الركعات ، ولا في اختلاف ما فيها من التسبيح والتلاوات ؛ إلى غير ذلك مما يطول ذكره ، ولا تحلى " 4 " النفس بمعرفة السبب الذي كان له ومن أجله ؛ وليس كذلك علل النحويين . وسأذكر طرفا من ذلك لتصحّ الحال به .
--> ( 1 ) لما كان هم أبى الفتح في هذا الكتاب إبداء حكمة العرب وسداد مقاصدهم فيما أتوا في لغتهم ، وكان ذلك بإبداء العلل لسننهم وخططهم في تأليف لسانهم أخذ نفسه في تقوية العلل التي تنسب إلى أفعالهم وتحمل عليهم ؛ وهو ما يقوم به النحويون . وكان من دواعي ذلك أن اشتهر بين الناس ضعف علل النحاة ؛ فهذا ابن فارس يقول : مرّت بنا هيفاء مجدولة * تركية تنمى لتركى ترنو بطرف فاتر فاتن * أضعف من حجة نحويّ انظر وفيات ابن خلكان ص 36 ج 1 في ترجمة ابن فارس . ( نجار ) . ( 2 ) يقال جاء القوم بلفّهم ولفّتهم ولفيفهم أي بجماعتهم وأخلاطهم ؛ وجاء لفهم ولفّهم ولفيفهم كذلك ، واللفيف : القوم يجتمعون من قبائل شتى ليس أصلهم واحدا . . . ، واللفيف الجمع العظيم من أخلاط شتّى فيهم الشريف والدنىء والمطيع والعاصي والقوى والضعيف . اللسان ( لفف ) . ( 3 ) الصفحة : الجنب والجانب ، وهو كناية عن الظهور والوضوح . ( 4 ) أي لا تظفر ، يقال : حليت من فلان بخير : أصبته وأدركته ، ومن ذلك قولهم : ما حليت من هذا الأمر بطائل ، وهو من باب علم .